ابن قيم الجوزية
167
الروح
يعلق » وهو على ظاهرة لا على ظن أهل الجهل ، وإنما أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم أن نسمة المؤمن طائر يعلق بمعنى أنها تطير في الجنة لا أنها تمسخ في صورة الطير . قال : فإن قيل إن النسمة مؤنثة . قلنا : قد صح عن عربي فصيح أنه قال : أتتك كتاب فاستخففت بها ، فقيل له : أتؤنث الكتاب ؟ قال : أو ليس صحيفة ، وكذلك النسمة تذكر كذلك ؟ قال : وأما الزيادة التي فيها أنها في حواصل طير خضر فإنها صفة تلك القناديل التي تأوي إليها ، والحديثان معا حديث واحد . وهذا الذي قاله في غاية الفساد لفظا ومعنى ، فإن حديث نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة غير حديث أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، والذي ذكره محتمل في الحديث الأول ، وأما الحديث الثاني فلا يحتمله بوجه ، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أخبر أن أرواحهم في حواصل طير ، وفي لفظ أجواف طير خضر . وفي لفظ بيض ، وإن تلك الطير تسرح في الجنة فتأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش هي لها كالأوكار للطائر ، وقوله أن حواصل تلك الطير هي صفة القناديل التي تأوي إليها خطأ قطعا ، بل تلك القناديل مأوى لتلك الطير ، فها هنا ثلاثة أمور صرح بها الحديث : أرواح وطير هي في أجوافها ، وقناديل هي مأوى لتلك الطير ، والقناديل مستقرة تحت العرش لا تسرح ، والطير تسرح وتذهب وتجيء والأرواح في أجوافها . فإن قيل : يحتمل أن تجعل نفسها في صورة طير أنها تركب في بدن طير كما قال تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 1 » ويدل عليه قوله في اللفظ الآخر أرواحهم كطير خضر كذلك رواه ابن أبي شيبة « 2 » حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرة عن مسروق عن عبد اللّه . قال أبو عمرو الذي يشبه عندي واللّه أعلم أن يكون القول قول من قال كطير
--> ( 1 ) سورة الانفطار ، الآية 8 . ( 2 ) هو أبو بكر عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي صاحب المصنف المشهور في الحديث النبوي الشريف ، ولد في منتصف القرن الثاني للهجرة وتوفي سنة 235 ه ، ذكر البخاري أن وفاته كانت في المحرم .